عهد وميثاق حضرة بهاءالله

أَعلنَ حضرة بهاءالله مؤكّداً بأنَّ "نور الاتّفاق يُضيء كلّ الآفاق"(١) وأضاف أيضاً "قد جئنا لاتّحاد مَنْ على الأرض واتفاقهم"(٢) فالوحدة الإنسانيّة هي المبدأ الأساسي والهدف الرئيس للعقيدة البهائيّة، وكان تأكيد حضرة بهاءالله لهذا المبدأ يتضمن الإيمان بالوحدة الروحية والعضوية لأمم العالم وشعوبه، وهي الوحدة التي تشير إلى أَنَّ "الإنسانيّة قد وصلت مرحلة البلوغ."(٣)

لقد سارت البشرية على طريق التطور الاجتماعي بخلق وحدات متتابعة كالعائلة، فالمدينة-الدولة، وأخيراً وصلت إلى مرحلة قيام الأمة-الدولة. وهكذا يكون الهدف الصّريح لدعوة حضرة بهاءالله هداية العالم في المرحلة النهائية من مراحل التّطور الاجتماعي وهي مرحلة الوحدة العالمية، هذه الوحدة التي سوف تأتي بالصّلح الأعظم الذي وعدت به أديان العالم. وكما أَنَّ ما نزل على حضرة بهاءالله من كلمات الله هو الحافز على هذه الوحدة ومصدر حياتها، كذلك يكون "الميثاق" الذي أبرمه حضرة بهاءالله الأساس الذي بموجبه يمكن تنفيذ تلك الوحدة وتحقيقها.

يضمن ميثاق حضرة بهاءالله للمؤمنين الوحدة والوفاق في فهم الأصول التي يقوم عليها دينه، كما يضمن أيضاً ترجمة هذه الوحدة ترجمة فعليّة في النموِّ الروحي والاجتماعي للجامعة البهائية. ويتميّز هذا الميثاق بأنّه رَتَّبَ مسبقاً أمر تَبيين النصوص الإلهيّة تَبييناً موثوقاً به، وعيّن نظاماً إدارياً مسؤولاً، على رأسه هيئة منتخبة خُوِّلت حقّ إِصدار تشريعات تُكمِّل ما لم يشرِّعه حضرة بهاءالله.

إنَّ هذا الميثاق لهو أروع مظهر من مظاهر رسالة حضرة بهاءالله. تمّت صياغة هذا الميثاق على نحو يضمن للإنسانيّة كلّها الوحدة والوفاق عن طريق إقامة نظام اجتماعي مُوحَّد النشاط والعمل المبني على المبادئ والتعاليم الروحيّة. وأشادَ حضرة عبدالبهاء، ابن حضرة بهاءالله، بميثاق والده فأكَّد بأنّه: "لم يُبرم في أي من المظاهر الإلهيّة السابقة وحتى يومنا هذا ميثاقٌ بمثل هذه المتانة وهذا الإحكام."(٤)

وهكذاَ فإنَّ الدين البهائي هو أَول دين في التاريخ يمرّ بالحقبة الدقيقة من أوائل عمره - أي القرن الأول من تاريخه - دون أنْ تتزعزع وحدة أتباعه بل ثبتت ثباتاً راسخاً. وفسّر حضرة عبدالبهاء هذه الظاهرة بقوله: "لولا تلك القوة الحامية للميثاق والتي تحرس القلعة المنيعة لأمر الله، لبرز بين البهائيين آلاف المذاهب والشّيع، تماماً كما حدث في العصور السابقة."(٥) إنَّ ميثاق حضرة بهاءالله في هذا الظهور بمثابة مغناطيس يجتذب إليه أفئدة أتباعه كلّهم.

لقد عالج حضرة بهاءالله في ميثاقه قضايا الخلافة والقيادة الروحية في الدين البهائي، غير أنَّ لهذا الميثاق أهمية تتخطّى هذه القضايا إلى مواضيعَ أكثرَ شمولاً وأوسعَ أبعاداً. كتب حضرة بهاءالله في ذلك: "كان مقصود هذا المظلوم من تَحمّل الشدائد والبلايا وإِنزال الآيات وإظهار البيّنات إخمادَ نار الضغينة والبغضاء، عسى أن تتنوَّر آفاق أفئدة أهل العالم بنور الاتفاق وتفوز بالرّاحة الحقيقيّة."(٦)

وفي شرحه المسهب للميثاق، يوصي حضرة بهاءالله البشر كافة أَنْ يسلكوا مسلكاً يعزّز قيمتهم كبشر فيقول: "يا أهل العالم أوصيكم بما يؤدي إلى ارتفاع مقاماتكم. تمسّكوا بتقوى الله، وتشبّثوا بذيل المعروف"، ونهاهم عن "اللعن والطّعن وما يتكدّر به الإنسان،" وأمرهم بالتمسك "بالحقّ والصدق،" وأهاب بهم أَنْ يدركوا بأنَّ "دين الله وُجِد من أجل المحبة والاتحاد" وليس ليزرع في النفوس "العداوة والاختلاف." وحَثّهم أيضاً على احترام أولي الأمر من الملوك والحكّام بقوله: "إِنَّ مظاهر الحكم ومطالع الأمر المزينين بطراز العدل والإنصاف يلزم على الكلّ إعانة مثل تلك النفوس"، وأخيراً ناشد الكل بأنْ يقوموا على "خدمة الأمم وإصلاح العالم."(٧)

وأكَّد حضرة بهاءالله بأنَّ الخالق العظيم قد نهى "عن النزاع والجدال نهياً عظيماً في الكتاب،" وشدّد على أهمية الوئام والانسجام فيما يربط البشر من علاقات، ليناشد من جديد أتباعه المؤمنين قائلاً: "... لا تجعلوا أسباب النَّظْمِ سبب الاضطراب والارتباك، وعلّة الاتحاد لا تجعلوها علّة الاختلاف."(٨)

مركز العهد والميثاق

ولتحقيق أَهداف عهده وميثاقه والأحكام التي نصّ عليها عيّن حضرة بهاءالله ابنه حضرة عبدالبهاء لِيخلُفَه. فبيّن بصريح العبارة هذا التعيين في كتاب أحكامه وهو الكتاب الأقدس: "إِذا غيضَ بحر الوصال وقُضِي كتاب المبدءِ في المآل توجّهوا إلى من أراده الله الذي انشعب من هذا الأصل القديم."(٩) وعاد فشرح حضرة بهاءالله هذه الآية في وصيته المعروفة بعنوان "كتاب عهدي" فكتب يقول: "كان المقصود من هذه الآية المباركة الغصن الأعظم [وهو اللقب الذي عرف به حضرة عبدالبهاء]."(١٠)

خوَّلَ هذا التعيين الرسمي الصلاحيّة الكاملة لحضرة عبدالبهاء ليصبح المبيِّنَ الأوحد لكلمات حضرة بهاءالله والمنفّذ الرسميّ لأهداف رسالته عن طريق تأسيس النظم البديع، أي نظام الإدارة البهائية. أضف إلى ذلك أنَّ حضرة عبدالبهاء كان المثل الأعلى لمبادئ الحياة البهائية وفضائلها قولاً وعملاً. ونتيجة لاندماج هذه الوظائف والصلاحيات في شخصيّة واحدة تمّ إيجاد مركز روحيّ فريد من نوعه في التاريخ الدّيني للبشر، وأصبح حضرة عبدالبهاء محور الميثاق شخصيةً لا مثيل لها في التاريخ.

أراد حضرة بهاءالله لحضرة عبدالبهاء مكانةً تتسم بالفرادة والتمييز كما تدل عليه المقتطفات المختلفة التالية أَدناه. إذ يشير حضرة بهاءالله إلى حضرة عبدالبهاء مثلاً في لوح عُرِفَ "بلوح الغصن" بهذه الكلمات: "قد انشعب من سِدْرَةِ المنتهى هذا الهيكل المقدس الأبهى،" ويضيف أيضاً، "فهنيئاً لمن استظلّ في ظلّه وكان من الراقدين. قل قد نبت غصن الأمر من هذا الأصل الذي استحكمه الله في أرض المشيئة وارتفع فرعه إلى مقام أحاط كلّ الوجود... قل يا قوم فاشكروا الله لظهوره وإنّه لهو الفضل الأعظم عليكم ونعمته الأتمّ لكم وبه يحيى كل عظم رميم، من توَجّه اليه فقد توجّه إلى الله ومن أعرض عنه فقد أعرض عن جمالي وكفر ببهائي وكان من المسرفين. إنَّه لوديعة الله بينكم وأمانته فيكم وظهوره عليكم وطلوعه بين عباده المقربين."(١١)

إِنَّ الدقة والوضوح في ما كتبه حضرة بهاءالله بخصوص تعيين ابنه مركزاً للميثاق بالإضافة إلى شرحه المسهب المفصّل لمقام حضرة عبدالبهاء، يرمي إلى منع أي خلاف بين المؤمنين حول مسألة من يخلف حضرة بهاءالله، ومن يقود جامعة المؤمنين ويرشدهم سواء السبيل بعد صعوده. ولعل ما أَتحفنا به المظهر الإلهي نفسه من الإرشادات والتعليمات تعكس في حد ذاتها جانباً فذّاً من الجوانب المتعددة للظهور البهائي.

أصبح حضرة عبدالبهاء، بصفته من سيدير دفّة الدين البهائي بعد حضرة بهاءالله، مركزاً حيّاً للوحدة واجتماع الكلمة تنطلق منه الجامعة البهائية العالمية في مسارها نحو النموّ والتطور. وبصفته المبيّن المعصوم الذي عيّنه حضرة بهاءالله كان حضرة عبدالبهاء الوسيط النزيه الطاهر القادر على تنفيذ الكلمة الإلهيّة بأساليب عمليّة لبعث حضارة إنسانيّة جديدة.(١٢) فكلّ واحدة من المؤسسات التي أبدعها حضرة بهاءالله في ميثاقه علّق عليها حضرة عبدالبهاء بنفسه موضحاً ومفصّلاً أحياناً، بل ومؤسّساً، ومشكلاً لهيئاتها في أغلب الأحيان.

جسّد حضرة عبدالبهاء في حياته على أكمل وجه وأتمّه المبادئ الأخلاقية التي سنّها حضرة بهاءالله. وتدين الجامعة البهائية، بما تمتاز به من تنوع وتعدد، لحضرة عبدالبهاء ومحبته الشاملة التي أغدقها على الجميع دون أنْ يفرّق بين أحد من الناس، مرحّباً بالكل بغضّ النّظر عن خلفيّاتهم، أو اهتماماتهم، أو شخصياتهم. كما تدين له بالأسلوب الودّي الذي انتهجه في رعايته وحَدْبِهِ على كل من أقْبَلَ إليه وورد إلى ساحته. لقد خلع عليه حضرة بهاءالله الفضائل والكمالات لتظهر في شخصه وسلوكه حتى يتسنى للبشر التشبّه به واتخاذه على مدى الزمان مثلاً أعلى يُحتذى.(١٣) ولمجابهة قوى الشّر والدّمار التي تهدد المجتمع الإنسانيّ في كل مكان، كان من الضروري بعثُ قُطْبٍ تتلازم فيه روح المبادئ والمثل البهائية من جهة وأسلوب تنفيذ تلك الروح قولاً وعملاً من جهة أخرى. بحيث يصبح ذلك القطب الأسوة الحسنة في الروح والعمل، والمبادئ والسلوك، والمثل الأعلى والقدوة المُلهَمَة. ففي شخصية حضرة عبدالبهاء نجد ذلك الانسجام الكامل بين الفكر والشعور والعمل والسيرة، والعلاقة التي تربط الإنسان بالإنسان. وقد جسّد حضرة عبدالبهاء هذا الانسجام الكامل في كل الوظائف التي أَدّاها كمحورٍ لميثاق حضرة بهاءالله ومركزٍ لعهده.

وصف حفيد حضرة عبدالبهاء الذي عُيّن وليّاً للأمر جدَّه العظيم بالكلمات التالية، وذلك بعد أنْ عدَّد الصفات والألقاب التي أسبغها حضرة بهاءالله على حضرة عبدالبهاء: "إنَّ أعظم كل هذه الصفات والألقاب لقب "سرّ الله" الذي اختاره حضرة بهاءالله بنفسه كي يصف به حضرة عبدالبهاء، ورغم أَنَّ هذا اللقب لا يبرر بأي حال من الأحوال أنْ يناط به مقام الرسول الإلهي، إلاّ أنَّه يشير إلى الكيفية التي اندمجت في شخصه تلك الصفات غير المتجانسة، البشريّة منها وتلك المتعلّقة بالفضائل والكمالات الإلهيّة، فانسجمت فيه متحدةً متآلفة كل التآلف."(١٤)

النظام الإِداري البهائي

إنَّ فكرة وجود أُنموذَجٍ إلهي يضمن الاستمرارية في إدارة الدين البهائي ونموّه، أمْرٌ مهم بالنسبة لتحديد معنى العقيدة البهائية شأنه في ذلك شأن التعاليم الروحيّة والاجتماعية التي جاء بها حضرة بهاءالله. فالنظام الإِداري البهائي ليس إلاّ تعبيراً حيّاً لما أَبرمه حضرة بهاءالله ميثاقاً بينه وبين أحبّائه وأتباعه المؤمنين. واعتنى حضرة عبدالبهاء عناية خاصة بإِيضاح معالم النظام الإِداري الذي ابتدعه حضرة بهاءالله، وحدّد في ألواح وصاياه الوظائف والمسؤوليات والسّلطات والصلاحيات المتعلّقة بالمؤسّستين اللتين سوف تخلُفانِهِ، لضمان استمرار وحدة الدين البهائي وصيانة تكافله، وهما ولاية الأمر وبيت العدل الأعظم.

عَيَّن حضرة عبدالبهاء حفيده حضرة شوقي أفندي وليّاً للأمر البهائي من بعده متّبعاً الأسلوب نفسه الذي انتهجه حضرة بهاءالله في تعيينه هو مركزاً للعهد والميثاق. فأعلن حضرة عبدالبهاء بصريح العبارة في ألواح وصاياه ما يلي: "يا أحباءَ عبدالبهاء الأوفياء، يجب أنْ تحافظوا كل المحافظة على فرع الشجرتين المباركتين وثمرة السّدرتين الرّحمانيتين - شوقي أفندي - حتى لا يغبّر خاطره النوراني غبار الكدر والحزن ويزداد فرحه وسروره وروحانيته يوماً فيوماً، وحتى يصبح شجرة ذات ثمر، إذ أنه هو ولي أمر الدين البهائي بعد عبدالبهاء وتجب على الأفنان والأيادي وأحباء الله إطاعته والتوجّه اليّه."(١٥) وأُعطِيت لوليّ الأمر وظيفةُ المبيّن الرسميّ للآيات المباركة والألواح المقدّسة، كما كُلّف بمسؤولية توسيع نطاق الجامعة البهائية العالمية وانتشارها طبقا للخطوط التي رسمها حضرة بهاءالله وشرحها مفصّلاً حضرة عبدالبهاء. وفي هذا الصدد علّق أحد الكتّاب قائلاً: "عندما قام حضرة عبدالبهاء بتعيين وليّ أمرٍ للدين البهائي أوجد بذلك منصباً رئاسياً للتنفيذ كان من المقدور له أنْ يصبح مركزاً محاطاً بالقداسة الأكيدة وقادراً على القيام بالمهمة العظيمة، ألا وهي دفعُ الجامعة البهائية العالمية النطاق نحو تنمية إمكاناتها في سبيل خدمة الإنسانيّة، وهو ما تميّزت به تلك الجامعة دوماً..."(١٦)

وخَوَّلت ألواح وصايا حضرة عبدالبهاء حفيده حضرة شوقي أفندي حقّ تعيين مؤسّسة مُسَاعِدَة لوليّ أمر الدين البهائي تضم أيادي أمر الله الذين كُلفّوا بالاهتمام اهتماماً خاصاً بقضايا تبليغ أمر الله وحمايته. وحول هذا الموضوع كتب حضرة عبدالبهاء ما يلي: "مجمع الأيادي هذا هو تحت إدارة حضرة ولي أمر الدين البهائي الذي عليه أنْ يحضّ المؤمنين دائماً على السّعي والجدّ والجهد في نشر نفحات الله وهداية مَنْ على الأرض، لأَنَّ جميع العوالم تضيء بنور الهداية."(١٧)

كان أحد الأهداف الرئيسة لحضرة شوقي أفندي هو نموّ الجامعة البهائية بصورة مطردة بحيث يمكنها تأسيس بيت العدل الأعظم وتوفير الدّعم المتواصل له. وكان حضرة بهاءالله قد نصّ على تأسيس هذا المجلس العالمي المنتخَب، وفيما بعد بيّن حضرة عبدالبهاء في بنود ألواح وصاياه كيف أنَّ هذا المجلس متمّم لولاية الأمر من حيث الغاية والمطلب.

أشار حضرة عبدالبهاء إلى السلطات والوظائف الخاصة بالمؤسستين اللتين سوف تخلفانه، وهي الوظائف المكمّلة لبعضها البعض. فذكر في وصيته مضيفاً قوله: "والفرع المقدس - أي حضرة ولي أمر الدين البهائي - وبيت العدل العمومي الذي يُؤسّس ويُشكَّل بانتخاب العموم، كلاهما تحت حفظ وصيانة الجمال الأبهى وحراسة العصمة الفائضة من حضرة الأعلى، روحي لهما الفداء، كل ما يقرّرانه من عند الله. من خالفه وخالفهم فقد خالف الله! ومن عصاهم فقد عصى الله! ومن عارضه فقد عارض الله! ومن نازعهم فقد نازع الله!"(١٨)

حافظت الجامعة البهائية على وحدتها خلال السّنوات السّت والثلاثين من عهد ولاية الأمر، وتمكنت من تحقيق النّمو السريع، وتم لها التوسع والانتشار عبر أقاليم شاسعة من العالم. فشُيِّدت الهيئات المحلية والمركزية والعالمية التي تُشكّل دعائم النظام الإِداري البهائي. وبالتدريج توافرت الشروط التي بموجبها أصبح في الإِمكان تشييد صرح بيت العدل الأعظم، وذلك بعد مرور خمس سنوات ونصف السنة على وفاة حضرة شوقي أفندي في عام ١٩٥٧.

حدّد حضرة عبدالبهاء وظائف بيت العدل الأعظم في ألواح وصاياه، فنصّ على أنْ تؤسس بيوت عدل ثانوية (والتي يطلق عليها الان مؤقّتاً اسم المحافل الروحانية المركزية) في كلّ البلدان والأمصار، وأنْ يقوم أعضاء بيوت العدل الثانويّة هذه بانتخاب هيئة بيت العدل الأعظم. فتمّ انتخاب تلك الهيئة لأول مرة في عام ١٩٦٣ من قِبَل أعضاء ستة وخمسين محفلاً روحانياً مركزياً. ولم يكن هذا الحدث بداية مرحلة جديدة في نموّ النظام الإِداري وتطوّره فحسب، بل سجّل أيضاً، ولأول مرة في التاريخ، خَلقَ سلطة عالمية على هذا الغرار، وهي الهيئة التي تمّ انتخابها انتخاباً ديمقراطياً دون إجراء أيّة ترشحيات أو قيام أية حملات انتخابية للدعاية والاعلام، وهو النمط الذي تجري به الانتخابات البهائية كافة. ومنذ ذلك التاريخ ازداد عدد المحافل الروحانية المركزية إلى ثلاثة أضعاف ما كانت عليه عام ١٩٦٣.

أما بخصوص وظائف بيت العدل الأعظم فقد بيّن حضرة عبدالبهاء ذلك على النحو التالي: "يجتمع هؤلاء الأعضاء في مكان ويتذاكرون في كل ما وقع فيه الاختلاف أو في المسائل المبهمة أو في المسائل غير المنصوصة، وكل ما يقررونه هو كالنّص، وحيث أن بيت العدل هو واضع قوانين المعاملات غير المنصوصة فهو أيضاً يستطيع نسخ تلك القوانين."(١٩)

إِنَّ القرارات التي يتخذها بيت العدل الأعظم هي نتيجة المشورة المستفيضة حول كل المسائل المطروحة للبتّ فيها. والمشورة وسيلة استأثرت باهتمام حضرة بهاءالله بشكل خاص، فهي أساسية وضرورية بالنسبة لقيام النظام الإِداري. وهي أنجح الطرق لصيانة الوحدة والتعاضد في إدارة شؤون الجامعة البهائية في أنحاء العالم كافة.

بقي الميثاق دون أن يمسّه أَي تغيير في النظام الذي حدّده حضرة بهاءالله ووسّع مفاهيمه حضرة عبدالبهاء. واستمر كالقناة التي تفيض منها أمواج الهداية الإلهيّة وتمنح المرونة المطلوبة في تسيير الشؤون الإنسانيّة، وبقي قناةً سليمةً دائمة الفيض خلال عهود متتالية. وهكذا كانت الحال في عهد حضرة عبدالبهاء، ثم في عهد حضرة شوقي أفندي، ومن بعد ذلك في الأعوام التالية منذ انتخاب بيت العدل الأعظم الذي أسّسه حضرة بهاءالله وجعله مصدر السلطة العليا والهداية الدائمة، ووصفه حضرة عبدالبهاء بأنَّه "مرجع كل الأمور."(٢٠)

ومن الواضح الجليّ أَنَّ الميثاق كاملٌ في كل بنوده، ويرجع الفضل له في تأسيس النظم البديع. فالمؤسسات الإِدارية العالمية والمركزية والمحلية لهذا النظام بمثابة مراكز للوحدة والاتحاد يلتف حولها أفراد الجامعة البهائية. والتصريح التالي لحضرة شوقي أفندي يقدم لنا وصفاً للميزة الخاصة التي تتمتع بها هذه المؤسسات:

"عندما أنظر إلى المستقبل الآن، تملؤني الآمال في أنْ أرى [البهائيين] في كلّ زمان ومكان، ومن كلّ الاجناس والألوان شخصياتٍ وافكاراً، يلتفّون طوعاً بالسرور والحبور حول مراكز نشاطاتهم المحلية وخاصة المركزية منها. فيعملون على دعم مصالحها وخِدْمتها بتمام الاتحاد والرضا، وكامل التفاهم وخالص الحماس دون ان تَفتُر لهم عزيمة. إنَّ هذا وَحْده حقاً هو غاية الرجاء والسعادة في حياتي، فهو مصدر النّعم والبركات كلها التي سوف تفيض في المستقبل، بالإضافة إلى كونه الأساس العريض الذي يعتمد عليه في نهاية الأمر أمن الصرح الإلهي وسلامته."(٢١)

إنَّ نقاط الالتقاء هذه التي يلتف حولها أعضاء الجامعة البهائية تتيح المجال لتفاعل مفيد، فيَقْوَى الإيمان وتثبت العزائم، وتنبعث من ذلك كلّه علاقات تشبه إلى حد بعيد ما يربط الدوائر ذات المركز المشترك، والتي تعتمد في كل توجهاتها على محور ميثاق حضرة بهاءالله الذي لا يمكن الاستغناء عنه.

وفي هذا الصدد صرّح حضرة شوقي أفندي في رسالة كتبت بالنيابة عنه بما يلي:

"أما بالنسبة لمعنى الميثاق في الدّين البهائي فإِنَّ وليّ أمر الدين البهائي يعتبر الميثاق نوعين، وكلاهما مذكورٌ بصريح العبارة في الآثار البهائية. الأول هو الميثاق الذي يُبرمه كل رسول إِلهي مع البشرية جمعاء، أو مع أتباعه بمعنى أدق، فهو عهد بينه وبينهم بأنْ يعترفوا بالمظهر الإلهي القادم من بعده ويتّبعوه. فالمظهر القادم إنما هو بمثابة عودةٍ لظهور حقيقته [ويصرح حضرة بهاءالله بهذا الصدد بأن رسولاً سيظهر من بعده بعد ألف سنة على الأقل من ظهوره]. أما النوع الثاني فهو الميثاق الذي أبرمه حضرة بهاءالله مع أتباعه وذلك بأن يتّبعوا من استخلفه من بعده أي المولى [حضرة عبدالبهاء]. وما هذا الإجراء سوى تثبيت للحقيقة ودعمها من قبل تلك النفوس النيّرة التي تتبع ظهور كل رسول. وبالمثل فإِنَّ الميثاق الذي أبرمه المولى حضرة عبدالبهاء مع البهائيين للاعتراف بالنظام الإِداري الذي اقامه خلفاً له، ينتمي هو أيضاً إلى النوع الثاني."(٢٢)

اتسعت خلال القرن الماضي دائرة الوحدة والتآلف التي يحتضنها ميثاق حضرة بهاءالله اتساعاً مطّرداً. وقد تم ذلك والجامعة البهائية تزداد نمواً وانتشاراً في كل أنحاء العالم. أما الآن، وبعد مئة وخمسين عاماً من ظهور رسالة حضرة بهاءالله يستمر الملايين من أتباعه في مئات البلدان والمناطق بالتمسك بوحدتهم وتآزرهم وذلك بواسطة بنود ذلك الميثاق المتين الذي جاء به حضرة بهاءالله.

الميثاق المبرم بين حضرة بهاءالله والمؤمنين من أتباعه

يدلُ كلّ ميثاق ضمناً على اتفاق له قدسيته يبرم بين طرفين. وكما ذُكر آنفاً، أدّى حضرة بهاءالله مهمّته كطرف في هذا الاتفاق بأن جاء بالتعاليم التي من شأنها أَنْ تغيّر ظروف الحياة وتحوّلها باطناً وظاهراً، وعيّن المبيّن الجدير بالاعتماد والقبول ليحول بين المؤمنين من أتباعه وبين اللّبس في فهم مشيئة الله بالنسبة لهم، وإضافة إلى ذلك فقد جاء بالهداية ليرشدهم إلى كيفية بناء المؤسسات التي تهدف إلى تحقيق الوحدة والاتحاد، بحيث يصبح الميثاق مؤثّراً في حياتهم على كل مستويات العيش والوجود، سواء بالنسبة للنظام الاجتماعي او الحياة الخاصة بالأفراد.  

أما بالنسبة لأَفراد المؤمنين - أي الطرف الآخر في هذا الاتفاق - فينبغي لهم أَنْ يأخذوا على عواتقهم مسؤولية إطاعة الأحكام والأوامر التي فرضها عليهم الله تعالى، بقصد المحافظة على كرامتهم وتأييداً لمساعيهم لكي يصبحوا على الصورة التي أرادها الله لهم من الشرف والعزة، وذلك عن طريق الدعاء والتأمل، وتلاوة الآثار المقدسة، والقيام بواجبات الصوم، والحياة حياةً عفيفة طاهرة، وأخيراً التحلي بالصدق والأمانة. إنَّ مسؤولية الأفراد في إطار هذا الميثاق هي أنْ يحب بعضهم البعض، وواجبهم هو في إطاعة المؤسسات التي أقامها حضرة بهاءالله وإيلائها المحبة والاحترام. فإِنْ لم يفعل المؤمنون ذلك فانهم يحرمون أنفسهم من النّعم والآلاء النابعة عن هذا الميثاق الذي أبرمه حضرة بهاءالله معهم: "أحببني لأحبّك، إِنْ لم تحبّني لن أحبَّك أبداً فاعرف يا عبد."(٢٣)

القوة الشاملة للتغيير والتحوّل

يمرّ الدين البهائي في الوقت الحاضر بالمرحلة الأولى من ازدهار النفوذ الإلهي المتمثل في تلك السلطة التنفيذية التي غرسها حضرة بهاءالله لإدارة الشؤون الإنسانيّة. وذلك بتأسيسه للميثاق وتعيينه حضرة عبدالبهاء مركزاً لذلك الميثاق. وما النفوذ الإلهي إلاّ تعبير عن محبة الله لخلقه، فهو قادر على فتح القلوب وتغيير النفوس، وعن طريقه أيضاً نكتشف قواعدَ للسلوك تقود المجتمع نحو التقدم والازدهار. فالسلطة النافذة المليئة بالمحبة والرأفة الكامنة في قلب الأمر الكريم هي التي تصوغ علاقات المؤمنين على مستوى الجامعة البهائية. وهي أيضاً توجههم نحو إِظهار محبةٍ ذاتِ طابع خاص وإلى المحافظة على الوحدة والتراحم في كل معاملات الواحد تجاه الآخر، وعلى مستوى المؤسسات زوّد الميثاق المؤمنين بالقنوات الإِدارية التي تفيض بالمحبة، كما أَنَّه قام بتحديد علاقاتهم بتلك المؤسسات. وهذه الطاقة على التبديل والتحويل التي يمتلكها الميثاق تعكس العدل والإنصاف. فالإنصاف بمعنى العدل مزيّة رئيسة يتحلّى بها نظام حضرة بهاءالله العالمي، وقد فضّلها على كل ما سواها من المزايا والفضائل إذ وصفها بقوله: "أحبُّ الأشياء عندي الإنصاف."(٢٤)

في هذا الوقت الذي بدأت الإنسانيّة معه بالدخول إلى مرحلة النضج من عمرها، نجد سكان العالم وقد تيقّظوا للحقيقة التي توحّدهم وأدركوا أنَّ الأرض وطن واحد والبشر سكّانه. فالنفوذ الروحي الكامن في ميثاق حضرة بهاءالله زادٌ ضمن ذلك الإطار الكفيل بإزالة كل أنواع الفُرقة والاختلاف الديني والعرقي والطبقي. والميثاق نمطٌ جديدٌ من الأواصر التي تربط البشر بالخالق العظيم. لقد مَنّ الله علينا بهبة غالية، فخصّنا، ولأول مرة في تاريخ الجنس البشري، بإمكانيات روحانية جديدة نستطيع بها بناء المجتمع العالمي الموحّد.


(١) بهاءالله، منتخباتي از آثار حضرة بهاءالله، لانكنهاين - ألمانيا، لجنة آثار أمري، ١٩٨٤، ص١٨٤.
(٢) بهاءالله، لوح مبارك خطاب إلى شيخ محمد تقي مجتهد اصفهاني معروف بنجفي، لانكنهاين - ألمانيا، لجنة نشر آثار امري بلسان عربي وفارسي، ١٩٨٢، وهو الخطاب المعروف "بلوح ابن الذئب، الذي أنزله حضرة بهاءالله باللغتين الفارسية والعربية، ص٢٤.
(٣) Shoghi Effendi, The Promised Day is Come, Baha’i Publishing Trust, Wilmette, 1980. p.117  
(٤)  شوقي أفندي، دور بهائي، لانكنهاين: لجنة نشر آثار امرى، ١٩٨٨، ص٦٢.
(٥) Baha'i World Faith, Selected Writings of Baha'u'llah and 'Abdu'l-Baha, Baha'i Publishing Trust, Wilmette, 1956. pp. 357-358
(٦) بهاءالله، مجموعة من ألواح حضرة بهاءالله: نزلت بعد الكتاب الاقدس، من منشورات دار النشر البهائية في بلجيكا، ١٩٨٠، ص١٩٧.
(٧) المصدر السابق، ص١٩٨-٢٠١.
(٨) المصدر السابق، ص١٩٩-٢٠٠.
(٩) بهاءالله، الكتاب الأقدس، نشر المركز البهائي العالمي، ١٩٩٩، فقرة ١٢١.
(١٠) بهاءالله، مجموعة من ألواح حضرة بهاءالله، ص٢٠٠.
(١١) شوقي أفندي، دور بهائي، ص ٥٩-٦٠.
(١٢) پيام بهائي، العدد ١٦٠، مارس ١٩٩٣، ص٨.
(١٣) المصدر السابق.
(١٤) شوقي أفندي، دور بهائي، ص٥٨.
(١٥) عبدالبهاء، ألواح وصايا حضرة عبدالبهاء المباركة، مترجمة عن الفارسية، لجنة النشر المركزية للمحفل الروحاني المركزي للبهائيين بمصر والسودان، ١٩٤٨، ص٢٥.
(١٦) Horace Holley, Introduction to Shoghi Effendi, Baha’i Administration, Selected Messages, 1922-1932, Baha’i Publishing Trust, Wilmette, 1974, p. viii
(١٧) عبدالبهاء، ألواح وصايا، ص١٣.
(١٨) المصدر السابق، ص١١.
(١٩) المصدر السابق، ص٢٠.
(٢٠) المصدر السابق، ص ١٥.
(٢١) Shoghi Effendi, Baha’i Administration, Baha’i Publishing Trust, Wilmette, 1968. p.67
(٢٢) From a letter of the Guardian to an individual, October 21, 1932
(٢٣) بهاءالله، الكلمات المكنونة، من منشورات دار النشر البهائية في البرازيل، ١٩٩٥،  ص٥.
(٢٤) المصدر السابق، ص٤.