حضرة عبدالبهاء

مركز العهد والميثاق (١٨٤٤-١٩٢١)

في الثامن والعشرين من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) عام ١٩٢١ احتشد جمع غفير من الناس قُدّر عدده بعشرة آلاف شخص يمثّـلون المذاهب والاتجاهات الدينية المختلفة، من يهود ومسيحيين ومسلمين، لتشييع جثمان حضرة عبدالبهاء عباس الى مقرّه الأخير فوق جبل الكرمل بالأراضي المقدسة في مدينة حيفا. كان حضرة عبدالبهاء الإبن الأرشد لحضرة بهاءالله. عيّنه والده ليخلُفه ممثّلاً لتعاليمه ومبيّناً لآياته وآثاره، وكسب حضرة عبدالبهاء في حياته حبّ الجماهير وعطفهم فقامت الحشود التي جاءت لتأبينه بالتعبير عما تَكنّه له من احترام واعتزاز وتقدير معتبرين إياه جوهر الفضل والحكمة والجود والعرفان.(١) وقد وصفه أحد زعماء المسلمين بأنّه "ركن من أركان السلام" جسّد في شخصه "الجلال والعظمة،"(٢) بينما أشار اليه خطيب من الخطباء المسيحيين بقوله إنَّه مُرشد الإنسانيّة نحو "طريق الحقّ،"(٣) وأضاف الى ذلك أحد الأئمة الروحانيين من اليهود فاعتبر حياة حضرة عبدالبهاء "مثلاً أعلى للتضحية والفناء"(٤) في سبيل خدمة العالم البشري. وعلّق أحد الزوّار الغربيين فقال في وصف موكب الجنازة "اجتمعت جموع غفيرة آسفة على موته ومستبشرة بذكرى حياته."(٥)

عُرِفَ حضرة عبدالبهاء في كلٍّ من ديار الشرق والغرب بأنَّه سفير السّلام ونصير العدل وأبرز مَنْ حَمَل لواء الدين الجديد. ففي سلسلة من الرحلات التاريخية عَبْر أوروبا وأقطار أمريكا الشمالية، قام حضرة عبدالبهاء، بالقول والعمل، ينشر المبادئ الرئيسة لدين والده الجليل بالحجّة والبرهان دون أنْ يفتر له عزم. فأَكَّد بأنَّ "المحبة هي النّاموس الأعظم" والسبب الأَكبر "لتمدّن الأمم"(٦) وأنَّ "الإنسانيّة في أشدّ الحاجة الى التعاون وتبادل المنافع بين الناس جميعاً."(٧)

وكتب مُعلِّقٌ على رحلات حضرة عبدالبهاء لأمريكا فقال: "حينما زار حضرة عبدالبهاء هذه البلاد للمرّة الأولى سنة ١٩١٢ وَجَد جمهوراً كبيراً مُحِبّاً ينتظرونه ليُحيّوه بأشخاصهم وليتَسلَّموا من شفتيه رسالته في المحبة والروحانية ... ومن وراء الكلمات المنطوقة كان هناك شيء في شخصيته لا يمكن وصفه، وكان هذا الشيء يؤثّر تأثيراً عميقاً في كلّ مَنْ فاز بمحضره، فرأسه الذي يشبه القبة، ولحيته الأبوية، وعيناه اللّتان كانتا تبدوان وكأنهما تنظران الى ما وراء الزمن والحسّ، وصوته الواضح النفّاذ رغم انخفاضه وتواضعه الخالص، ومحبته الغلاّبة، وفوق كلّ شيء ذلك الإحساس بالقوة يخالطها اللطف الذي زوّد كيانه كلّه بجلال نادر نابع من الغبطة الروحية الذي نأى به عن الناس من ناحية وقرّبه من ناحية أخرى الى أوضع النفوس، كلّ ذلك وكثير مما لا يمكن تعريفه خَلَقَ عند العديدين من أصدقائه ذكريات لا يمكن أن تُمحى، ذكريات نفيسة لا يمكن أن تُوصف بوصف."(٨)

بَيدَ أَنَّه لا يمكن لهذه الأوصاف كلّها أنْ تحيط إحاطة تامّة بالمقام الفريد الذي يتمتَّع به حضرة عبدالبهاء في التاريخ الديني، رغم ما كان لشخصيته الفذّةِ من جاذبية ولبصيرته الثاقبة من فهم عميق لمعنى الحياة الإنسانيّة وسَبْرِ غَوْرها. وقد وجّه حضرة بهاءالله هذه الكلمات الى أتباعه واصفاً حضرة عبدالبهاء بأنّه "وديعة الله"(٩) بينهم و "الفضل الأَعظم"(١٠) عليهم، مضيفاً الى هذه النعوت والأوصاف قولَه الموجّه الى حضرة عبدالبهاء نفسه "إنَّا جعلناكَ حِرْزاً للعالمين وحفظاً لمن في السموات والأرضين وحِصْناً لمن آمن بالله الفرد الخبير."(١١) وتوّج كلَّ ما سبق ذكرُه فوصف حضرة عبدالبهاء مرة اخرى بأنه "غُصْن الله الأعظم العظيم وسرُّ الله الأَقْوم القديم."(١٢) وتشيد الآثار البهائية بشخصيّة حضرة عبدالبهاء وتُشير إلى "كيفيّة اختلاط الخصائص المتباينة وانسجامها انسجاماً كاملاً في [شخصيته]، وهي خصائص الطبيعة الإنسانيّة والمعرفة الإلهيّة الغيبيّة."(١٣)

لقد كان موضوعُ الخلافة الدينية قضيةً شائكة بالنسبة لكل الأديان السماوية. وتَسَبَّبَ عدمُ حسمها في خلق ما لا يمكن تلافيه من الضغائن والاختلافات المذهبيّة. فالغموض الذي اكتنف موضوعَ الخلافتين المسيحية والاسلاميّة مثلاً أدّى الى خلافات عريضة في تفسير النصوص الإلهيّة المقدسة وقيام نزاع ديني مرير في كلتيّ الديانتين. لقد أمر حضرة بهاءالله أتباعه في هذا الدور أن يتوجّهوا إلى حضرة عبدالبهاء من بعده ووضّح ذلك في بنود وصيته المعروفة "بكتاب عهدي" حيث ذكر: "إِذا غِيضَ بحرُ الوِصَال، وقُضي كتاب المبدأ في المآل، توجّهوا الى من أراده الله الذي انشعب من هذا الأصل القديم. وقد كان المقصود من هذه الآية المباركة الغصن الأعظم [حضرة عبدالبهاء]."(١٤)

بتعيين حضرة عبدالبهاء خلفاً له اختار حضرة بهاءالله الوسيلة التي عن طريقها يمكن نشر رسالته الزاخرة بالأمل والداعية الى السلام العالمي في كل أنحاء المعمورة، ومن ثَمَّ الى تحقيق الوحدة والألفة بين جميع البشر. لقد كان حضرة عبدالبهاء باختصار مركزاً للعهد والميثاق الذي جاء به حضرة بهاءالله ضماناً لوحدة الجامعة البهائية وصيانةً لمبادئه وتعاليمه لتبقى تلك التعاليم مُنزّهة عن التحريف والتغيير. فحضرة عبدالبهاء كمركز للعهد والميثاق هو قطب الاتحاد يلتف حوله المؤمنون لتبقى كلمة الله طاهرة نقيّة. ولا يدع حضرة بهاءالله لنا مجالاً للشك في ما يعنيه حينما يخاطب حضرة عبدالبهاء في أحد ألواحه قائلاً: "البهاء عليك، وعلى من يخدمك ويطوف حولك، والويل والعذاب لمن يخالفك ويؤذيك. طوبى لمن وَالاك والسّقر لمن عاداك."(١٥)

أصبح حضرة عبدالبهاء بصفته المبيّن الرسمي لتعاليم حضرة بهاءالله "اللسان الناطق بفحوى كتاب الله، والشارح لكلمة الله."(١٦) فبدونه لما كان في الإمكان بعث القوة الخلاّقة الهائلة في رسالة حضرة بهاءالله لتعمّ الإنسانيّة، ولا كان من المستطاع إدراك معناها إدراكاً عميقاً كاملاً. وهكذا قام حضرة عبدالبهاء بشرح تعاليم دين والده، وفصّل معتقدات ذلك الدين، ورسم المعالم الرئيسة لمؤسساته الادارية. ولقد كان بالفعل القائد السّديد الذي شيّد كيان الجامعة البهائية السريعة النموّ والانتشار. وإضافة الى كلّ ذلك فقد غرس حضرة بهاءالله في حضرة عبدالبهاء "الفضائل والكمالات الشخصية والاجتماعية، وأراده مَثَلا أَعلى تحتذي به الإنسانيّة على الدوام."(١٧) وبما أَنَّ حضرة عبدالبهاء كان المَثَـل لتعاليم حضرة بهاءالله ومركزاً لعهده وميثاقه فقد أصبح "مَرجِعاً مصوناً من الخطأ لتنفيذ الكلمة الإلهيّة باتخاذ الإجراءات العمليّة من أجل بناء حضارة إنسانيّة جديدة."(١٨)

 وبالنظر الى أحداث الماضي يبدو واضحاً أنَّ حضرة بهاءالله كان حريصاً على تهيئة حضرة عبدالبهاء ليرعى شؤون أتباعه من بعده. فقد ولد حضرة عبدالبهاء في الثالث والعشرين من شهر أيار (مايو) عام ١٨٤٤ في الليلة ذاتها التي أعلن فيها الباب مولد دورة دينية جديدة، كما أنَّه شارك ولمّا يزل طفلاً والده العظيم صنوف المعاناة إِبّان موجة الاضطهاد والعنف التي تعرّض لها أتباع الباب. وكان عمره ثماني سنوات عندما سُجن والده حضرة بهاءالله لكونه من المدافعين عن الدعوة البابية وأحد أنصارها البارزين. ثم صَحِب والده العظيم طوال سنوات النّفي من بلاد فارس الى عاصمة الإمبراطورية العثمانية الى أنْ انتهى به المُقَام في فلسطين. ولما بلغ حضرة عبدالبهاء أَشُدَّه صار الرفيقَ الحميم لوالده ونائباً له ودرعاً يحميه، وممثّـله الشخصي الرئيسي لدى القيادات الروحية والسياسية آنذاك. أما مواهبه غير العادية المتمثّـلة في قيادته الحكيمة، وعلمه الواسع، وخدماته الخيّرة فقد جلبت الهيبة والاحترام لجامعة المنفيين من أَتباع حضرة بهاءالله. واخيراً تولى قيادة الدين البهائي إثْرَ صعود حضرة بهاءالله في شهر أيار (مايو) عام ١٨٩٢.

وبعد مرور أربعة عقود من الزمان، تحمّل فيها حضرة عبدالبهاء السجن والمعاناة، بدأ عام ١٩١١ رحلاته الى الغرب، وهناك عرض ببساطة مدهشة على الشريف والوضيع دونما تفرقة نظام حضرة بهاءالله لتجديد المجتمع الإنساني روحياً وخلقياً. فصرح حضرة عبدالبهاء بأن "دعوة الحقّ هذه قد بَعَثَتْ في هيكل الإنسانيّة حياة جديدة، ونفخت في عالم الخَلْق روحاً جديدة، فأنعشت قلوب البشر وضمائرهم، ولن يَطولَ الزمان كي تظهر أثار هذا البَعْث الجديد فيستيقظ أولئك الذين ذهبوا في سبات عميق."(١٩)

 وكان من أَبرز العناصر الجوهرية للنظام الإلهيّ الذي أَعلنه لقادة الرأي العام والى الجماهير على السواء في أثناء سفراته التبليغيّة، "التحرّي عن الحقيقة تحرّياً مستقلاً دون تقيّد بالخرافات ولا بالتقاليد، ووحدة الجنس البشري قطب مبادئ الدين وأساس معتقداته والوحدة الكامنة وراء جميع الأَديان، والتبرّؤ من كل أَلْوان التعصب الجنسي والديني والطبقي والقومي، والوئام الذي يجب أنْ يسود بين الدين والعلم، والمساواة بين الرجل والمرأة فهما الجناحان اللذان يعلو بهما طائر الجنس البشري، ووجوب التعليم الإجباري، والاتفاق على لغة عالمية إضافية، والقضاء على الغنى الفاحش والفقر المدقع، وتأسيس محكمة عالمية لفضّ النزاع بين الأمم، والسموّ بالعمل الذي يقوم به صاحبه بروح الخدمة الى منزلة العبادة، وتمجيد العدل على أنه المبدأ المسيطر على المجتمع الإنساني، والثناء على الدين كحصن لحماية كل الشعوب والأمم، واقرار السلام الدائم العام كأسمى هدف للبشرية."(٢٠)

أَكّد حضرة عبدالبهاء مراراً وتكراراً بأَنه ليس الاّ "المبشّر بالسلام والتفاهم" و "المدافع عن مبدأ وحدة الجنس البشري" و "العامل على دعوة الإنسانيّة لاستقبال مملكة الله" على الأرض. ورغم ما لَقِيَتْه دعوته من القبول والاستحسان رأى من الضرورى أَنْ يوضّح بكل صدق وأمانة مصدر إِلهامه وحقيقة مقامه، فكتب الى أتباعه في أمريكا قائلاً:

"إِنَّ اسمي عبدالبهاء، وصفتي عبدالبهاء، وذاتي عبدالبهاء، وحقيقتي عبدالبهاء، وحمدي عبدالبهاء، وعبوديتي للجمال المبارك هي إكليلي الجليل ... فليس لي أبداً ولن يكون لي اسم أو لقب أو ذِكْر أو ثناء سوى إنَّني عبدالبهاء، إنَّ هذا هو أملي وغاية رجائي، وفي هذا حياتي الأبدية ومجدي الخالد."(٢١)

وهكذا رفض حضرة عبدالبهاء أنْ يترك أَدنى شك لدى أيّ من أتباعه بأَنه ليس سوى خادم حضرة بهاءالله المخلص الأمين وعبده القائم على خدمته، وأنَّ كلّ ما يحقّقه من إنجاز إنَّما يتمّ بفضل حضرة بهاءالله وتأييده وبركاته، وأَنّه مدين في كلِّ ما يقوله من قول ويفعله من فعل لوالده الجليل، صاحب الرسالة الإلهيّة لهذا العصر.


(١)  H.M. Balyuzi, ‘Abdu’l-Bahá: The Centre of the Covenant of Baha’u’llah, Oxford, George Ronald, 1992, p. 466 
(٢) المصدر السابق، ص ٤٦٦.
(٣) المصدر السابق، ص ٤٦٧.
(٤) المصدر السابق، ص ٤٧١.
(٥) شوقي أفندي، كتاب القرن البديع، من آثار حضرة ولي امر الله شوقي أفندي رباني، ترجمة الدكتور السيد محمد العزّاوي، من منشورات دار النشر البهائية في البرازيل، ٢٠٠٢، ص ٣٦٩.
(٦) عبدالبهاء، منتخباتي از مكاتيب حضرت عبدالبهاء، ويلمت، لجنة نشر آثار امري، ١٩٧٩، ص٢٥.
(٧)  Abdu’l-Baha, The Promulgation of Universal Peace, Wilmette, Baha’i Publishing Trust, 1978, p.27
(٨) شوقي أفندي، كتاب القرن البديع، ص٣٤١.
(٩) شوقي أفندي، دور بهائي، لانكنهاين: لجنة نشر آثار امرى، ١٩٨٨، ص٦٠.
(١٠) المصدر السابق، ص٦٠.
(١١) المصدر السابق، ص٦١.
(١٢) المصدر السابق، ص٦٢.
(١٣) شوقي افندي، دورة حضرة بهاءالله: ملحق الادارة البهائية، الاسكندرية، المحفل الروحاني المركزي للبهائيين بالقطر المصري والسودان، ١٩٤٧، ص٤٦.
(١٤) حضرة بهاءالله، مجموعة من ألواح حضرة بهاءالله نزلت بعد الكتاب الاقدس، من منشورات دار النشر البهائية في بلجيكا، ١٩٨٠، ص ٢٠٠.
(١٥) شوقي افندي، دورة حضرة بهاءالله: ملحق الادارة البهائية، ص٤٨.
(١٦) من رسالة بيت العدل الاعظم الموجّهة الى البهائيين في العالم. ٢٦ تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٩٣.
(١٧) المصدر السابق .
(١٨) المصدر السابق.
(١٩) شوقي افندي، نظم جهان بهائي، منتخباتي از آثار صادره از قلم حضرت ولي امر الله، دانداس: مؤسسه معارف بهائي، ص١١٠-١١١.
(٢٠) شوقي افندي، كتاب القرن البديع، ص٣٢٩.
(٢١) شوقي افندي، دورة حضرة بهاءالله: ملحق للادارة البهائية، ص٥٣.